الشيخ أحمد فريد المزيدي
326
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وإياك وتسويل النفس ووسواس الشيطان ، فإنّ هذا الباب من أبواب الخير قد انفتح لك فارحبه حتى تستأنفه من أوّله . ومثاله : أن يكون قد خطر الخاطر في صيام بعض شهر قد حثّ الشرع على صيامه ، أو قيام بعض ليله ، فتقول دع هذا حتى استكمل الليل بأوّله أو الشهر بتمامه . وإنما ذلك مخادعة ، ليسدّ باب التوفيق المجزي . فإن هذه الخواطر لا تدوم ، وإنما هي سريعة الاستحالة ، والمبادرة لإمساك الخاطر الرباني مأمور الشرع ، وفيه فائدتان : إحداهما : أن يكون وقت أكمل من وقت ، كنحو الأوقات التي ورد الخبر عن مسامحة اللّه عزّ وجلّ ، وتنزّل الرحمة والغفران ، ونظرات الحقّ سبحانه وتعالى إلى الخلق لا تحصى . والأخرى : إيلاف النفس للمبادرة لامتثال الأوامر والطاعات عندما ترجّى بركة العمل ، وفيه إزالة حال التكاسل عنها ، وذلك للتعرّض لنفحات رحمة اللّه تعالى . وهذا في رياضة النفس على المبادرة إلى امتثال الأوامر مفيد أيضا ، واللّه أعلم وأحكم . * * * الكتاب الخامس كتاب الفناء كلام الإمام أبي القاسم ، الجنيد بن محمد ، قدّس اللّه روحه : الحمد للّه الذي قطع العلائق على المنقطعين إليه ، ووهب الحقائق للمتّصلين به المعتمدين عليه ، حين أوجدهم ووهب لهم حبّه ، فأثبت العارفين في حزبه ، وجعلهم درجات في مواهبه ، وأراهم قوّة أبداها عنه ، ووهبهم منّة من فضله ، فلم تعترض عليهم الخطرات بملكها ، ولم تلتق بهم الصفات المسببة للنقائص في نسبتها ، لانتسابهم إلى حقائق التوحيد ، بنفاذ التجريد ، فيما كانت به الدعوة ، ووجدت به أسباب الحظوة ، من بوادي الغيوب وقرب المحبوب . ثم سمعته يقول : وهبنيه ثم استتر بي عني ، فأنا أضرّ الأشياء علىّ ، الويل لي مني ، أكادني وعنه بي خدعني ، كان حضوري سبب فقدي ، وكانت متعتي بمشاهدتي كمال جهدي ، فالآن عدمت قواي لعناء سرّي . لا أجد ذوق الوجود ، ولا أخلو من تمكين الشهود ، ولا أجد نعيما من جنس النعيم ، ولا [ أجد ] التعذيب من جنس التعذيب ، فطارت المذاقات عني ، وتفانت اللغات من وصفي فلا صفة تبدي ولا داعية تحدي . كان الأمر في إبدائه ، كما لم يزل في ابتدائه .